صديق الحسيني القنوجي البخاري

356

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَالْعَشِيِّ [ الأنعام : 52 ] وكذلك قوله : في سورة الكهف : وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 28 ] أَوْ يَذَّكَّرُ عطف على يزكى داخل معه في حكم الترجي ، أي أو يتذكر فيتعظ بما تعلمه من المواعظ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أي الموعظة المسموعة منك ، قرأ الجمهور بالرفع وقرىء بالنصب على جواب الترجي أي أنك لا تدري ما هو مترقب منه من تزكي أو تذكر ولو دريت ما فرط ذلك منك . أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى أي كان ذا ثروة وغنى ، أو استغنى عن الإيمان وعما عندك من العلم الذي ينطوي عليه القرآن فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى أي تصغي لكلامه ، والتصدي الاصغاء وقيل هو من الصدى وهو الصوت المسموع في الأماكن الخالية والأجرام الصلبة ، وقيل من الصدى وهو العطش ، والمعنى على التعريض ، قرأ الجمهور تصدى بالتخفيف على طرح أحدى التاءين تخفيفا ، وقرأ نافع وابن محيصن بالتشديد على الادغام ، وفي هذا مزيد تنفير له صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الاقبال عليهم والاصغاء إلى كلامهم . وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى أي أيّ شيء عليك في أن لا يسلم ولا يهتدي ، فإنه ليس عليك إلا البلاغ فلا تهتم بأمر من كان هكذا من الكفار ، ويجوز أن تكون ( ما ) نافية أي ليس عليك بأن في أن لا يتزكى من تصديت له وأقبلت عليه ، وتكون الجملة في محل نصب على الحال من ضمير تصدى . ثم زاد سبحانه في معاتبة رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال : وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى أي وصل إليك حال كونه مسرعا في المجيء إليك طالبا منك أن ترشده إلى الخير وتعظه بمواعظ اللّه وَهُوَ يَخْشى حال من فاعل يَسْعى على التداخل ، أو من فاعل جاءك على الترادف أي يخشى اللّه أو أذى الكفار يعني ابن أم مكتوم فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى أي تتشاغل عنه وتعرض عن الاقبال عليه . والتلهي التشاغل والتغافل ، يقال لهيت عن الأمر ألهى أي تشاغلت عنه وكذا تلهيت . وليس هو من اللهو في شيء ولم يجعل من اللهو لأنه مسند إلى ضمير النبي ، ولا يليق بمنصبه الكريم أن ينسب إليه الفعل من اللهو بخلاف الاشتغال فإنه يجوز أن يصدر منه في بعض الأحيان ، ولا ينبغي أن يعتقد غير هذا . وقوله : كَلَّا ردع له صلى اللّه عليه وآله وسلم عما عوتب عليه أي لا تفعل بعد هذا الواقع منك مثله من الاعراض عن الفقير ، والتصدي للغني والتشاغل به مع كونه ليس ممن يتزكى . عن إرشاد من جاءك من أهل التزكي والقبول للموعظة ، وهذا الواقع من النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم هو من باب ترك الأولى ، فأرشده اللّه سبحانه إلى ما هو الأولى به .